عبد الملك الجويني

7

نهاية المطلب في دراية المذهب

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> = ثم الأصل في عمل المحقق أن يُبقي النص على ما هو عليه ، وإن كان فيه من خلل ، أو خطأ ، فليس له إلا أن يعلق عليه في الهامش ، ليبقى النصُّ كما أراده مؤلفه ، وليخلص عمل المؤلف له ، فليس التحقيق تحسيناً ولا تصويباً ، واستُثني من ذلك القرآن الكريم فقط ، فلحرمة النص القرآني وقداسته يجب أن يصوّب في المتن ، إن أخطأ في إيراده المؤلف ، أو الناسخ . ولكن سوّغ لنا هنا تغيير العبارة في الصلب إيمانُنا الجازم بأن هذا سبقُ قلم ، غير معمودٍ ولا مقصود ، وباستحالة أن يريد المؤلف نسبة ذلك القول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودليلنا على هذا الجزم والقطع عدة أمور نوجزها فيما يأتي : أولاً - إن إمام الحرمين من الذين يُحيطون بالأدب العربي شعره ، ونثره ، وأمثاله ، وحِكمه ، يظهر هذا في أسلوبه ، وتضمين كلامه جملاً مأثورة ، وأمثالاً مشهورة ، وحكماً شائعة ، وأشطاراً - من الشعر - ذائعة ، فكيف يقع في هذا الخلط الخطير ، والوهم الغليظ ، فينسب هذه الحكمة المشهورة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ! ! ! ثانياً - إن الذين كتبوا عن إمام الحرمين ومعرفته بالحديث أخذوا عليه مواضع كثيرة من كتابه هذا ، واشتد نكيرهم عليه في أشياء دون هذا بكثير : من مثل قوله عن حديث معاذ في الاجتهاد - " إنه مدون في الصحاح " ، والذي يقرأ البدر المنير لابن الملقن وهو من هو منزلة في المذهب وإحاطة به يشر بأنه قرأ النهاية كلمة كلمة ويتتبعه في الأوهام الحديثية ، ويسجل عليه دقها وجليلها ، فكيف يفوته هذا الوهم الغليظ ؟ وكذلك نجد الحافظ في تلخيص الحبير يتتبع إمام الحرمين ، ويعنف به ، ويُغلظ له كلما رأى وهماً أو تساهلاً في مجال الحديث ، فكيف لم يعقب على هذا ؟ ولايظنن ظان أن الحافظ ربما لم يقع على هذا الموضع في النهاية ، لا يقولن أحد ذلك ؛ فالذي يقرأ الحافظ في التلخيص ، وفي الفتح يتأكد لديه أنه قرأ النهاية ، فالحافظ هو أيضاً من هو منزلةً في المذهب ، وإحاطةً بكتبه . وكذلك ابن الصلاح والنووي ، وغيرهما من الذين سجلوا مآخذ وأوهاماً حديثية على إمام الحرمين لم يذكر أحد منهم هذا ، ولا يستطيع أحد - له إلفٌ بكتب النووي ، ومعرفةٌ بالمذهب - أن يزعم أن النووي لم يقرأ النهاية كلمة كلمة ، إن لم نقل : إنه كان يحفظها عن ظهر قلب . ثالثاً - قد اختصر النهاية - فيمن اختصرها - العز بن عبد السلام ، وبالقطع قرأها كلمة كلمة ، ولم نجده أشار إلى هذه الطامة ، ولم يتعقب الإمامَ فيها ، مع أنه تعقبه فيما دون ذلك بكثير . رابعاً - قد تعقب إمامَ الحرمين كثير من خصومه وشانئيه من رجال المذهب ، وغير المذهب ولم يشر أحد إلى هذه الطامّة ، ولا يحتمل ذلك إلا أمرين - لا ثالث لهما : الأول - أن نسخ النهاية التي وقعت لهم لم يكن فيها هذا الخلل . الثاني - أنهم رأوه ، وحملوه على أنه سبق قلم - مما قد يقع فيه كل أحد - فلا يؤاخذ به من وقع فيه ، فلم يحملوه على الإمام ، ولم يؤاخذوه به ، ولم يشيروا إليه . =